على المرسى قبل الرحيل واقفا منتظرا أن يعود مرسالى من أرض الحبيب ويخبرنى بأخباره ، وكنت معتقدا بأنه سيعود ومعه من أحببت ليلقى لى بنظرة وداع لتكون رفيقة دربى وتلصق على جبهتى قبلة تكون لى دافعا لأن أقاوم الصعاب فى تلك الرحلة وأعود منها محملا معى حقائب من الأشواق ؛ ولا أعلم كم سيطول ذاك الرحيل ؛ فهل سأعود منه بعد بضعة أيام أو بعد سنوات طوال ؟ فلا أعلم متى يكون موعدى مع الإياب ؟.
وأثناء انتظارى هذا أرسلت نظراتى هنا وهناك لعلها تعود بأخبار المرسول هل أتى وحده؟ أم أتى ومعه من لرؤياه أشتاق ؟ أم لم يأتى بعد ؟؛ وعندما نظرت لمن حولى من الراحلون وكلهم يتلقون الوداع وهذا يحتضن حبيبه قبل أن يبحر معنا فى طريق لا نعلم سوى بدايته فقط وتلك البداية هى من هنا ، ولكن أين تكون النهاية ؟ فلا أحد من الراحلون يعلم عنها شيئا ؛ وهذا يرسل معه حبيبه نظراته لتكون سدا منيعا ليحول بينه وبين غدر الطريق ، وهذا يرسل معه حبيبه زاده من الماء حتى لا يشعر بالظمأ بدمعة ترسلها أمام عينيه ولتخبره بأنها ستكون فى انتظاره حين يعود وهذا وهذا وهذا .
واكتفى بالنظر إليهم وما أشعر سوى بالأسف ولوعة الرحيل بدون وداع من الأحباب وما هناك شيئا أجده يودعنى سوى ذكرياتى وأشواقى لمن أحببت . وأثناء ذلك بدأت نفسى تحدثنى بهواجس وأضغاث أحلام وتخبرنى بأن أنسى ذاك الوهم الذى أعيش فيه ؛ أما زلت تعتقد بأنها تحبك ؟ أما زلت تعتقد بأنها تهواك؟ إذا فأنت عاشق موهوم ، ولا تريد أن ترى بعينيك ؛ ألا ترى أمامك من يحبون ومن يعشقون ؟.
فأجبته قائلا نعم ما زلت متأكدا من حبها لى وبأنها تهوانى كما أهواها ولكن ألا تعلم أن أصعب اللحظات على الإنسان هى لحظة الوداع لمن تحب ؟ ، ولا تعلم متى يكون الإياب واللقاء ؟، ألا ترى من حولنا منهارون؟ لذلك فهى لم تأتى لأنها لا تستطيع تحمل لحظات الوداع ولكنها بالتأكيد سترسل وداعها مع مرسولى وسآخذه معى ليكون رفيق دربى لحين أعود وطال حدثينا كما مر الوقت سريعا ولا أعلم لم تلك السرعة التى يسير بها؟ ألا يريد أن ينتظر حتى أستقبل وداعى كالآخرين ؟ وها أنا اسمع صوت صفير السفن تعلن استعدادها للرحيل ؛ وأثناء ذلك سمعت صوتا يقول أيهما الموهوم فلتذهب حان وقت الرحيل ذاك المرسول لن يعود ؛ وفى أثناء سماعى لتلك الكلمات رأيت ما أكذب به كل الظنون ها هو عاد المرسول فأنا أراه قادما من بعيد ولكن لم هو بطئ ؛ فرد ذاك الصوت ثانية أين هو أأنت سكير؟؛ فصاح قلبى قائلا أيها المرسول أسرع لا وقت لذلك البطء فقد حان وقت الرحيل فوقف كأنه يأبى أن يخبرنى بما يحمله من أخبار؛ أسرعت نحوه مهرولا أصطدم بهذا وآخر يسقطنى وحقيبة من هذا التى أتعثر بها أيها الملأ فلتخلوا لى دربى حتى أستطيع أن أستقبل وداعى قبل الرحيل ، وعندما اقتربت منه لم أجده فسقطت على الأرض ، ولم أستطع الحراك وسمعت ذاك الصوت يقول ألم أقل لك بأنك موهوم؟ .
عندما استيقظت وجدت سفينتي بين الأمواج بدأت طريقها نحو الرحيل ؛ إلى أين هى ذاهبة ؟ ومتى أقلعت من على المرسى؟ وإلى أى شاطئ ستنهى رحلتها؟ فأنا لا أعلم أى إجابة لما سبق ، ولكننى لم أرد شيئا سوى الرحيل ولا أعلم سبب ذلك الرحيل . وفى بداية الأمر بدا البحر هادئا كالحمل الوديع لا توجد به أمواج سوى حركة بسيطة لتدل على حركة المياه فقط وحركة السفن من حولنا ، وسمعنا صوتا نغما يغنى من حولنا ورأينا الدولفين يرقص على ذاك الصوت وبدأت تحيط بنا واستمرت فى مرافقتنا طوال اليوم تقريبا ، وهى تتراقص على تلك الأنغام ، وبدأت أبحث عن صاحب ذلك الصوت فلم أجده وسألت من حولى عن مصدره فما وجدت من الجميع سوى نظرات يملأها الاستغراب ؛ فسألت مجددا هل قلت شيئا خاطئ؟. فأنا أبحث عن صاحب ذلك الصوت ؟ فلمّ الاستغراب ؟؛ فزاد سؤالى هذا من استغرابهم فأقترب منى أحدهم ، وقال لى أأنت سكير؟ أشربت شيئا أخذ بعقلك بعيدا ؟ ألم تعلم حقا مصدره ؟ فأجبته بلى شربت الكثير والكثير شربت من الأشواق كؤوسا حتى الثمالة ، وشربت من العشق أكوابا حتى الارتواء ، وشربت من الحنين آبارا حتى عدت مع عقلى لذكرى من أمد بعيد كلما أتذكرها يشرد ذهنى عنى بعيدا ، ولم أجده فأبحث عنه طويلا دون فائدة حتى تمل قدمى من كثرة البحث فأجلس لأستريح ، وما ألبث إلى أن أجده يعود منتشيا سكير لا يدرى بمن حوله ، ولا يعلم بما يقول أو ما يفعل ؛ ولكننى حقا لا أعلم مصدر ذاك الصوت الذى يذكرنى بمن تركته فى الوطن أمانة بين أطلالى لحين أعود إليه .
وفجأة وجدت الرجل يصيح بمن حولنا أيها الراحلون فى بحر الشوق والحنين فلتأتوا وتستمعوا معى لأعظم وأشجى الألحان فهذا القلب ملئ بالأشواق وكله حنين للإياب لرؤية الأحباب استمعوا لأنغامه وألحانه وانظروا لحوت الدولفين ها هو يتراقص على أنغام ذاك القلب الذى يمتعنا وخلده ومن يحملهما لا يشعر بهم لأنه فى ذكرى الحبيب منتشى ؛ فليأتى الجميع ويلتفون من حوله وأخبروه أن يقص لكم حكايته وليرسل الجميع لأرض الوطن مراسيله وجواسيسه لتبحث لنا عن مكان ذاك الحنين الذى تركنا وذهب إليه بعيد .
فاستغربت مما فعله وقلت له يا هذا أأنت مستيقظا ؟ ألست تهزوا حقا ؟ بلى فأنت تهزوا أى قصة أخبركم إياها ، وأى مراسيل ترسلون ، وعن أى أرض تبحثون . أبعدوا عنى رجاء واتركوني ووحدتى ؛ ثم ذهبت عنهم بعيدا ، وبدأت أنظر فى المياه وإلى السماء لعلى أجد فيهما ضالتى المنشودة لعلها أرسلت لى وداعا بدمعة تجرى مع المياه ، أو أجد ابتسامتها تأتينى بسهم من السماء وتخترق صدرى ليهدأ ما أشعر به من هيجان ، أو أجد نظراتها بين النجوم تسير باحثة عن مكانى لتسقط لى جزء منها والجزء الأخر يضئ بها طريقى ولكننى لم أجد ما أبحث عنه فى ذلك اليوم ؛ وسأظل أبحث عنه دون ملل حتى أجده أو أن أعود لأطلالى لأجد ضالتى المنشودة هناك تنتظر عودتى .
بعد لحظات قليلة بدأ البحر يهيج ولا أعلم لمّ ذلك الغضب ؟ ولمّ تلك الأمواج تهيج ؟ لمّ تتلاطم وتلقى بنا يمينا وشمالا ؟ لمّ لا تريد أن تهدأ ؟ ولمّ لا تريد السكون ؟. فسألت عن سبب ذلك الهيجان وما هى تلك الأجساد المتخشبة التى تملأ البحر وتأتينا مع الأمواج ؟ فلم أجد مجيب ، وسمعت صوت الربان فى المذياع يصيح أيها الراحلون بيننا عاشق ولهان يتملكه الحب ، وهو للعشق والهوى مأسور تبحث عنه الأمواج ؛ فلتبحثوا عنه وحاولوا أن تجدوه فى أسرع آن قبل أن تلتهمه الأمواج ويصبح ضمن ضحايا العشق ويصبح فى عداد الأموات لا تجعلوه يظهر للمياه ، ولتخبروه أن يحاول أن يسكن ما بقلبه من هيجان ، وأن يطفئ ما أشتعل به من نيران حتى تهدأ الأمواج ، وأن يحاول أن يسكن ذاك البركان الذى سيبخر لنا ما عليه نسير ونصبح نحن فى عداد المفقودين .
وبعد ذلك وجدت الرجل الذى سألته سابقا عن مصدر الطنين الذى كان ينغمنا وأصبعه يشار نحوى ها هو هذا ما عنه تبحثون فوجدت الجميع من حولى يسرعون وبيدى يمسكون يصيحون ها هو العاشق المجنون وآخرون من قدمى يسحبون نحو الأمواج يريدون بى أن يلقون ؛ فوجدت الصياح من الجميع بالربان يستغيثون فلتسرع أيها الربان ستلتهمه الأمواج وسيصبح فى عداد العشاق المفقودين ؛ وقبل أن يأتي الربان أخذتنى الأمواج بعيدا عن الجميع قاومت مع الجميع محاولا عدم السقوط ولكن لم أستطع الصمود وأثناء تلك اللحظات التى يحارب فيها الجميع من أجل إنقاذى وجدت الدموع من العيون تنهمر وتمتزج مع الأمواج وبدأت معنا تقاوم ولكن بلا فائدة .
بعد السقوط بين فاه الأمواج لم أشعر بشئ ؛ وبعد قليل بدأت أفتح عيناي فوجدت الكثير من حولى منهم النائمون ومنهم من على الأطلال يبكون ؛ ومنهم من تملك فيهم اليأس ولم يعودا لطريق الإياب يسألون ، ومنهم من يجلس وحيدا بين ذكراه . فسألت من أنتم ؟ ولماذا هنا أتيتم ؟ وفى أى البقاع نحن ؟ وكيف فوق المياه تحيون ؟وما هو طريق الإياب ؟ وما هى وسيلته؟ فليخبرنى أحد فأنا لموطنى أريد الإياب. فقال لى أحدهم أنت فى بحر العشاق ويطلق أيضا عليه أسم بحر الهوى الغدار ؛ فمن يأتى هنا لا يستطيع الإياب إلا بعد أن تشفى ما به من الآم وأشواق لمن أحب وتركه بين الأنقاض يعيش حينها تستطيع الإياب . قلت له لا أنا سأعود دون أن أشفى ما بى من أشواق ، ودون ما تشفى الأمى لأنها لى أجمل ذكريات وبها قضيت أجمل اللحظات ومن يأتى نحوها سأقتله بالتأكيد ؛ وإذا أراد أن يصل لذلك عليه قبلا أن يقتلنى ويودعنى بين الأموات .
فقال لى إذا ألديك وسيلة للإياب تستطيع أن تصارع تلك الأمواج ؟ فقلت له نعم فهل هناك أقوى من ذكرياتى مع من أحببت لأعود ؟ أيوجد هناك شيئا يستطيع أن يقف أمام تلك اللحظات ؟ لا لا يوجد هناك من يستطيع أمام قوة حبى الصمود ؛ فحبى لها مثل الجبال راسية لا يستطيع شيئا أن يؤثر فيها ؛ فالمياه لا تستطيع أن تهدم تلك الجبال ، فحبى لها مثل الرياح فمن يؤثر فى الثانى الرياح أم المياه بالتأكيد هى الرياح من تتحكم بحركة المياه وتوجه أمواجها فى طريقها . فإذا استطاعت الأمواج أن تؤثر فى الجبال ، واستطاعت أن تهزم الرياح ، فأنها لن تهزم ما أكن لها وما يحمله صدرى وما بقلبى من أشواق .
وفى تلك اللحظات وجدت راحلتى تقترب آتية من بعيد يضئ نورها المكان ووجدت فى السماء سحابة من فوقى تسير لتحمينى من أهوال الطريق فسأل الجميع عن الشئ القادم نحوهم مسرعا وما فوقهم يظلهم . فأخبرتهم بأنها هى وسيلتى للإياب لبلاد الأحباب ؛ فسألنى الجميع أن يأتون معى فى راحلتى ، ولكن ليس بها سوى مقعد وحيد لأنها مصنوعة من أشواقى لمن أحببت ومجدافيها من حبى لها وسحابتى من فوقى هى ما أودعتنى إياه قبل ذلك من أمد بعيد ، فلا يمكن لأحد معى الركوب ؛ ولكن لوسيلتهم يستطيعون النداء وهى بكل تأكيد لذاك النداء ستجيب إذا كان عشقهم لمن يحبون يصل لذرة فى عشقى لمن أحببت ، وإذا كانوا فى حناياهم يكنون جزء ضئيل مما أكن ولكن هناك شرط وحيد حتى تأتى وسيلة الإياب ألا يكون هناك من بينهم تمنى لمن أحب وقت أن حكم بينهم الزمان بالفراق بأن يحدث له شئ مشئوم . لأننا لسنا لمن نحب عائدون وإنما لذكرياتنا نحن نعود ولنستمتع بأجمل اللحظات التى مرت بجوار من نحب وننظر إليه وهو يشعر بالسعادة فنشعر نحن بها ؛ إذا قبلتم بذلك الشرط تستطيعون معى الإياب .
وفى طريق عودتنا وجدت السفينة التى عليها بدأت رحلتى ما زالت فى المكان تحوم فى أرجائه عنى يبحثون؛ فذهبت تجاهها ومن معى فأشار أحدهم للربان فى صياح ينادى أيها الربان ها هو العاشق الولهان لقد عاد من بين الأنقاض ومعه كثير من العشاق التائهون منذ أمد بعيد وقد وضعتهم السلطات فى عداد المفقودين هيا لنأخذهم وللمرسى نعود لقد وجدنا ما أبحرنا من أجله ، وعاد إلينا الأصدقاء والأحباب فلتسرع بنا أيها الربان نحو المرسى المنشود .
by gamal ayoub

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق