قصص قصيرة

الأحد، 25 سبتمبر 2011

حــــــــلم ممتـــــــد



بعد أن مر على زاوجهما مدة ستة أعوام كاملة سكن أرجائها الخوف والقلق من كابوس عدم الإنجاب الذى ظل يراودهما بعد مرور العام الأول من الزواج ، وذهبوا لأفضل أطباء العالم فى هذا التخصص وفى كل وقت للصلاة ترفع والدة زوجها يدها نحو السماء طارقة بها أبواب من بيده تحقيق حلمها الذى ظل يراودها منذ أن رأت طفلها فى اليوم الأول من مولده ورسمت له حياة زاهية الألوان وصورة لشريكة حياته وعدد كبير من الأحفاد ليملئون عليها حياتها وتستعيد بهم ذكريات الماضى مع والدهم عندما كان فى مثل سنهم ومن ثم يبثون بالحركة والحياة مرة أخرى فى أرجاء المنزل الذى أصبح شبه خاويا من الحياة ومن السكان .

 بعد معاناة من السفر ومن مجافاة النوم لتلك الجفون التى تحلم بطفل صغير يملأ عليها ذلك الكون الفسيح من حولها ويجعلها تتذوق الطعم الحقيقى للأمومة التى طالما كانت تسمع والدتها تقول لها عندما تتأخر خارج البيت عندما تصبحين أماً ستعرفين المعنى الحقيقى لذلك الشعور ، ولمّ ذلك القلق كله عليك عندما تتأخرين هكذا بالخارج ؟؛ فقد آن الوقت لمعرفة ما أخبرتها به والدتها .

 ولكن ما باليد حيلة ، فقد تأخر ذلك كثيرا عن موعده . وبعد مرور وقت ليس بالقصير بعد مرور تلك السنوات بدأت تشعر بقدوم ذلك الضيف العزيز ولكنها كانت تكذب نفسها وفى أغلب الأحيان سيكون كما سبقه من شعور فربما يكون مجرد نزلة برد أصيبت بها فى ليلة قارصة البرودة من ليالى الشتاء ، وربما تكون مجرد أثار ودلالات وهمية شعرت بها من كثرة تفكيرها فى الأمر ؛ ولكن ظلت هذه الظواهر فى ملازمتها حتى بدأ يكبر بداخلها شعاع الأمل باقتراب تحقق ذلك الحلم البعيد القريب الذى تشعر باقتراب أنفاسه من بعيد فذهبت مسرعة إلى الطبيب الذى لم يكذب خبر ذلك الشعور وبشرها بأن حلمها أقترب من الوصول إلى أرض الواقع ولكن يلزمه بعض الراحة حتى تصل لبر الأمان .

ذهبت مسرعة نحو المنزل ولم تشعر بطول المسافة ولا بشدة الزحام الذى كانت تعانى منهما فى كل مرة تذهب مع زوجها إلى الطبيب وتظل تتذمر بشأنهما ؛ فأخذت والدة زوجها بين ذراعيها وبدأت تدور بها حول نفسها وهى تصيح وتخبرها بالخبر السعيد فامتلأ البيت بالضجيج من فرحة الخبر ؛ وبدا يتوافد الأقارب والأحباب والأصدقاء للتهنئة والدعوات بإتمام الأمر على خير .
 مرت الشهور عليها طويلا وكأنها الدهر بأكمله ، وفى الشهر الخامس أخبرهما الطبيب بأن المولود الذى ينتظره الجميع بفارغ الصبر سيكون أنثى بنسبة كبيرة جدا ؛ فعادت إلى البيت ومعها حلم ممتد من ذلك الحلم الذى أقترب من الحقيقة وبدأت ترسم خيوطا  لهذه الأحلام الجديدة ، وكأنها ترى أمام عينيها فتاتها التى لم تأتى بعد وهى تكبر أمام عينيها يوما بعد يوم وتنتقل بين المراحل التعليمية المختلفة وتجتازها بتفوق كما رسمت لها صورة فى  ذهنها غاية فى الجمال تتفوق بها على قريناتها ، وفجأة تجدها تطرق عليها باب غرفتها لتطلب منها الدخول للتحدث معها فى أمر هام ووجها شديد الاحمرار وعيناها موجهة نحو الأرض فى خجل وتبدأ تخبرها بفتى أحلامها التى تعرفت عليه فى الجامعة وتريد أن تخبر والدها بذلك فهى لم تعتاد أن تخبئ عليهما شئ .

 و تمر سريعا بهم الأيام ويأتى موعد زفاف أبنتهما لفارس أحلامها الذى ينتظر الأذن من والدها والحضور ليأخذها على جواده راحلا بعيدا عن الجميع حيث تسكن السعادة والأفراح فقط والجميع من حوله ينتظرون خروج العروس من مخبأها الذى عاشت فيه ما يقترب من ربع قرن من حياتها أو ربما يزيد وها هى تخرج مثل القمر فى ليل تمامه تنطفئ كل المصابيح فماذا يكون ذلك الضوء الخافت بجوار ضوء هذا البدر ؟.

والجميع من حولها يطلقون الزغاريد فرحين ولا تشعر بشئ من شدة الفرح سوى بيد ملمسها  كالحرير تقترب من خدها الذى بدأ الزمان برسم خطوطه عليه ، وصوت يوجه لها اللوم والعتاب لم الدموع فى يوم كهذا ، ألم كنت تتمنيه منذ زمن ؟ فتنظر إلى صاحب اليد الذى تعرف من هو من خلال سماع همسات أنفاسه وتقول لها بنيتى تلك دموع الفرح ولم تكن أبدا دموع الحزن .

 مع امتداد لحلم آخر وكأنها لا تريد أن تفيق من أحلامها المتلاحقة حلم يراودها باليوم الذى ستحمل فيه أحفادها وتجدهم يملئون عليها حياتها ويثيرون الضجيج فى المكان جدتى جدتى أرجوك احمينى من والدتى .

فإذا بيد أخرى ملمسها ليس كتلك اليد التى كانت على خدها منذ قليل وليست هى تلك الأنفاس التى كانت قريبة منها ولكنها أنفاس شريك حياتها وشريكها فى الحلم الممتد يقطع عليها خلوتها الممتدة التى لو تركها لامتدت لأبعد من ذلك بكثير ولن تتوقف الأحلام إلا بلحظات الفراق لهذه الحياة سائلا متى ستمضى تلك الأشهر الطويلة مرت سبعة شهور ونصف وكأنها سبعة قرون ونصف فعاتبته لأنه أيقظها من حلمها الجديد الذى ما زال على تحقيق بدايته أيام قليلة .

تـــــــمـــــت

Gamal Ayoub
28/11/2010


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تبحث عن قصيدة أو موضوع بعينه؟