قصص قصيرة

الاثنين، 26 سبتمبر 2011

الكاتب الدكتور أيمن الجندى ( سحر )


بعد ثلاثين عاما يعود إلى مسرح الأحداث الغامضة، راح يمشى فى دروب المعمورة ويتأمل الشاليهات الصغيرة. المكان لايزال محتفظا بطابعه رغم مرور الزمان! هذا هو الشاليه الذى سكنه منذ ثلاثين عاما، وهذه هى الشرفة التى كانت (تتجلى) فيها سحر!!

مازال يذكر كل شىء وكأنه قد حدث بالأمس، حينما جاء إلى المعمورة ليقضى عطلة الصيف مع والديه. كان مجرد مراهق فى السادسة عشرة، وكان يقضى معظم الليل فى الشرفة منفردا بالنجوم.

وفجأة شاهدها فى الشرفة المجاورة. حورية من عالم النجوم السحرى. شعرها الأسود منتزع من غموض الليل، ورشاقة القد تنثنى كأعواد الرياحين، وحاجبان كهلالين تتلألأ تحتهما نجوم العينين، وشفتان كوردتين مضمومتين تفتحت براعمهما لقبلة الحياة.

لم يصدق نفسه حينما ابتسمت له وراحت تكلمه. كانت هذه هى تجربته الأولى مع الجنس الآخر، وكان قبلها يتمنى أن يجرب هذا الشىء السحرى الذى يسمونه «الحب». كان أشبه ببرعم وردة غافية. حينما أشرقت الشمس استيقظ البرعم، وأشرقت من داخله ثلاث ورقات حمراء صغيرة. عرف البرعم أنه وردة فقال فى فرحة: «رباه! إن الحياة جميلة!».

حينما أفاق من دهشته اختفت فجأة كما ظهرت فجأة. حيره ظهورها واختفاؤها المفاجئ. حينما غسل نور الصباح غموض الليل، كان قد أقنع نفسه بأنه يحلم.

استيقظ قبيل العصر فى اليوم التالى. عادت له الذكرى فوّاحة قوية. راح يرنو إلى الشاليه المجاور، لكنه كان مغلقا صامتا لا توجد به حياة. أنفق الليل ينظر فى قلق إلى الشرفة المجاورة الغارقة فى الظلام، وفجأة خامره شعور قوى بحضورها! استندت كعادتها على حافة الشرفة وراحت تحدثه. سألها عن اسمها، فاختلطت حروف الاسم بوشوشة البحر. ظلا يتحدثان لفترة طويلة رغم أن الرياح تكفّلت ببعثرة الصوت. وكالعادة اختفت فجأة قبل أن يتواعدا على المساء المقبل، فمكث ينظر إلى الشرفة الخالية حائرا!

فى اليوم التالى صمم أن يجلو سر ظهورها واختفائها المتكرر. ذهب إلى بستانى الحدائق العجوز وأخبره بما شاهده. وأفزعه أن الرجل راح يستعيذ ويبسمل. بعد طول إلحاح عرف الحكاية: هذا الشاليه يملكه موجّه لغة عربية متقاعد، توفيت زوجته وتركت له بنتاً وحيدة اسمها «سحر»، لكن المسكينة توفيت غرقا فى البحر، ومنذ ذلك الحين أغلق الشاليه وأصبح المكان مهجورا لا يدخله أحد، وإن كان البعض قد تحدث عن ظهورها فى الثلث الأخير من الليل!

عاد إلى بيته وهو يرتجف، «سحر» اسمها سحر، لذلك تظهر فى الهزيع الأخير من الليل! لأنها تحمل نصيبا من اسمها: «سحر». أوصد الشرفة بإحكام بمجرد دخول الليل. هرع إلى السرير ووضع الوسادة على رأسه لكن النوم جفاه. قبيل الفجر سمع دقات على النافذة وأصواتاً تناديه باسمه، مختلطة بصفير الريح وأمواج البحر! تكرر النداء والارتجاف فى الليالى التالية، وحين جاء أوان العودة ومغادرة الشاليه تنهد تنهيدة النجاة.

واليوم يعود بعد ثلاثين عاما، لكنه الآن يفهم الأحداث على ضوء آخر. كانت سحر مراهقة ماتت والدتها، وبالتأكيد كانت تشعر بالوحدة مع أب متقدم فى السن. ولعلها حين ماتت لم تصدق أنها ماتت، لذلك كانت تتجسد من العالم الآخر، باحثة عن أصدقاء من عمرها يخففون وحشتها ويبادلونها الحديث.

لم يملك إلا أن ألقى نظرة أخيرة على الشرفة الخالية وهو ينصرف. ترى هل مازلت يا سحر تشعرين بالوحدة؟ وتظهرين للمصيفين العابرين؟. آه ما أعجب الأسرار التى تقتحم طمأنينتنا فى هذا الكون اللا متناهى العجيب!

دكتور أيمن الجندى
26/9/2011



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تبحث عن قصيدة أو موضوع بعينه؟